الذهبي

756

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

أَقْتَصِدُ ، فَذَكَرَ لَهَا مِنْ أَصْنَافِ الطَّعَامِ ، فَإِذَا هو قوت سبعين رجلا فَاتَّخَذَتْهُ ، ثُمَّ أَحْضَرَتْ مَيْسَرَةَ ، فَأَكَلَهُ عَنْ آخِرِهِ . وَكَانَ مَيْسَرَةُ يُزَوِّقُ السُّقُوفَ ، فَدَعَاهُ رَجُلٌ يُزَوِّقُ لَهُ وَهُوَ لا يَعْرِفُهُ ، وَكَانَ الرَّجُلُ قَدْ دَعَا ثَلاثِينَ إِنْسَانًا إِلَى الْمَوْضِعِ ، وَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا ، فَلَمَّا فَرِغَ الطَّبَّاخُ خَرَجَ لِحَاجَةٍ ، وَنَظَرَ مَيْسَرَةُ إِلَى الْمَوْضِعِ قَدْ خَلا ، فَنَزَلَ فَأَكَلَ ذَلِكَ الطَّعَامَ كُلَّهُ ، وَعَادَ إِلَى عَمَلِهِ . فَجَاءَ الطَّبَّاخُ وَلَيْسَ فِي الْمَطْبَخِ إِلا الْعِظَامَ ، فَأَعْلَمَ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ ، وَقَدْ حَضَرَ الْقَوْمُ ، فَحَارَ الرَّجُلُ فِي أَمْرِهِ ، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْنَ أُتِي ، وَأَنْكَرَهُ الْقَوْمُ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ ، فَصَدَقَهُمْ ، فَنَهَضُوا جَمِيعًا حَتَى دَخَلُوا الْمَطْبَخَ ، وَعَايَنُوا الْحَالَ ، فَكَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا مِنْ فِعْلِ الْجِنِّ . فَلَمَحَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَيْسَرَةَ ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ ، فَصَاحَ : قَدْ عَرَفْتُ وَاللَّهِ الْخَبَرَ ، هَذَا ميسرة عندك ، وهو أكل طعامك ، قال : فاستنزله من الموضع ، فقال : أَنَا أَكَلْتُهُ ، وَلَوْ كَانَ لِي مِثْلُهُ لأَكَلْتُهُ فجربوا إن شتم ، فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، وَطَلَعَ إِلَى عَمَلِهِ . رَوَاهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ زَبْرٍ الْقَاضِي ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيلٍ الْقَاضِي ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ . فَمَيْسَرَةُ هَذَا كَانَ يَأْكُلُ بِالْحَالِ ، أَلا تَرَاهُ ذَكَرَ أَنَّ عَادَتَهُ أَكْلُ رَغِيفَيْنِ كَآحَادِ النَّاسِ ، وَأَنَّهُ أَكَلَ مَا يَكْفِي سَبْعِينَ رَجُلا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ عِنْدَمَا يَجْمَعُ هِمَّتَهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا مَنْ يَأْكُلُ إِذَا أَرَادَ بِالْحَالِ ، وَهَذَا الْحَالُ لَيْسَ مِنْ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ ، فَإِنَّ الأَوْلِيَاءَ أَكْلُهُمْ قَلِيلٌ ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معا وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . وَأَيْضًا فَالْوَلِيُّ يَأْكُلُ قُوتَ يَوْمٍ فِي أُسْبُوعٍ ، يَتَقَوَّتُ بِهِ ، وَيُبَارَكُ لَهُ فِي طَعَامِهِ ، وَفِي قُوَاهُ ، لا أَنَّهُ يَأْكُلُ نِصْفَ قِنْطَارٍ مِنَ الطَّعَامِ في جلسة ، وَلَعَلَّ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا لا يُسَمِّي اللَّهَ ، ويقبل بنفس حادة مُحْرِقَةٌ لِلأَكْلِ ، وَقَدْ تُعِينُهُ الشَّيَاطِينُ فِي أَكْلِ ذَلِكَ فَيَفْرَغُ ، وَتَطِيرُ بَرَكَتُهُ ، وَيَظُنُّ هُوَ وَمَنْ حضره أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ كَرَامَاتِ الْمُتَّقِينَ ، وَإِنَّمَا كَرَامَاتِ السَّادَةِ أَنْ يُحْضِرَ أَحَدُهُمْ مَا يَكْفِي وَاحِدًا ، فَيُقَوِّتُ بِهِ الْجَمْعَ الْكَبِيرَ ، وَيَشْبَعُونَ بِبَرَكَةِ دعائه . - [ حَرْفُ النُّونِ ] 300 - نَاصِحُ بْنُ الْعَلاءِ ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، أَبُو الْعَلاءِ الْبَصْرِيُّ . [ الوفاة : 171 - 180 ه ] عَنْ : عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي " تَرْكِ الجمعة